صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

126

تفسير القرآن الكريم

وربما يطلق على المبدإ العالي لحقيقة الشيء وتحصّله وتميّزه ، فإن الصور النوعية عند طائفة هي الفصول المنوعات للحقائق الجرمانية ، وعند طائفة أخرى يطلق الصور على المفارقات النورية والجواهر العقلية الواقعة في عالم الصور المفارقة ، كما هو عند أفلاطون الإلهي والرواقيين وأئمتهم الأقدمين كسقراط وفيثاغورس وأنباذقلس وأغاثاذيمون ، وعند طائفة أخرى هم أعلى مرتبة وأدق مسلكا ( وأمتن ) دليلا وأجل ذوقا وأوثق برهانا وأرفع نظرا ، وهم الحكماء الايمانيون والأفاضل الربانيون كأبي يزيد البسطامي وسهل التستري والجنيد البغدادي ومحيي الدين الأعرابي وتابعيهم ، إن أسماء اللّه تعالى بعينها مبادي الفصول الذاتية للحقائق الإمكانية ، وما يحاذيها من الصور المجردة في عالم العقول أو الصور الحسية في عالم الجسم مستهلكة التأثير والأثر تحت سطوع الأنوار الإلهية والأسماء الربوبية ، استهلاك النور الضعيف في النور الأقهر القوي ، واضمحلال وجود السافل تحت وجود العالي . فإذا علمت هذا وتذكرت ما ادعيناه فيما سبق ، من أن الإنسان بحسب الباطن والنشأة الأخروية أنواع كثيرة حسب كثرة الأخلاق المتخالفة ، والصفات الغالبة الراسخة المتنوعة ، أيقنت معنى كون « يوم القيامة » « يوم القضاء » « ويوم الفصل بين الخلائق » فاللّه يقضي بينهم يوم القيامة بحسب ظهور مظاهر أسمائه ومجالي شؤونه ، ويفصل بينهم بالحق ويميز المحق عن المبطل في ما يختلف فيه من الأديان والمذاهب ، وقد مرّ منا نقل آيات دالة على أن أنواع الإنسان كثيرة بحسب النشأة الآخرة ، وظهور هذه الكثرة في حقائق الإنسان إنما يتوقف على قيام الساعة لقوله تعالى : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [ 36 / 59 ] .